السيد ابن طاووس
62
طرف من الأنباء والمناقب في شرف سيد الأنبياء
وإذا لحظنا قول الإمام الكاظم عليه السّلام له : « تأبى إلّا أن تطلب أصول العلم ومبتدأه ، أما واللّه إنّك لتسأل تفقّها » « 1 » ، وقوله له عندما سأله عمّا يقولونه من أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله أمر أبا بكر بالصلاة عند مرضه - بعد أن أطرق الإمام عنه طويلا - : « ليس كما ذكروا ، ولكنّك يا عيسى كثير البحث في الأمور ، وليس ترضى عنها إلّا بكشفها » . وقول عيسى للإمام : « بأبي أنت وأمّي ، إنّما أسأل منها عمّا أنتفع به في ديني وأتفقّه ، مخافة أن أضلّ وأنا لا أدري ، ولكن متى أجد مثلك أحدا يكشفها لي ، « 2 » » . . . إذا لحظنا كلّ ذلك ، علمنا أنّ الرجل كان ملازما للإمام الكاظم عليه السّلام ، ومن أصحابه المخلصين ، وذلك حيث وصفه الإمام بأنّه يطلب أصول العلم ومبتدأه ، وأنّه يسأل تفقّها لا تعنّتا ولأمراء . وعلمنا أيضا أنّ عيسى كان مختصّا بمرويّات الوصيّة وكيفيّة بدء الإسلام والبيعة لعليّ عليه السّلام ، فيبدو أنّ الرجل صبّ جلّ اهتماماته في هذا الباب الحسّاس الّذي كثر فيه النزاع ، وهذا ما شغله عن طلب الفقه والفرائض ، فلم يرو لنا من ذلك ما يمكن أن يعتدّ به ، خصوصا وأنّ اهتمامات الإمام الكاظم عليه السّلام بالأمور العقائدية تزايدت في جوّ الخلافة العباسيّة المتهرّئ والمنشغل بالملاهي والملذّات في حكومة الرشيد ، فلذلك نراه عليه السّلام يصف عيسى بقوله : « ولكنّك كثير البحث في الأمور ، وليس ترضى عنها إلّا بكشفها » . ومن خلال تتبّع المرويّات ، وجدنا أنّ منها ما يمسّ خلافة العباس وبنيه ، ويثبت الأحقيّة والوراثة الدينية والدنيوية لعليّ وأولاد عليّ عليهم السّلام ، وهذا ما يقيم الدنيا على هارون الرشيد ولا يقعدها ، فكيف حدّث الإمام الكاظم عليه السّلام بكلّ هذا عيسى ابن المستفاد ، لولا أنّه أهل للتعلّم وكتم علوم آل محمّد صلوات اللّه عليهم عن
--> ( 1 ) . انظر بداية الطّرفة الأولى ( 2 ) . انظر بداية الطّرفة العشرين